الذهبي

690

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

جكرمش ، فحصن جكرمش الموصل ، وجفل أهل الضِّياع إلى البلد ، فنازله محمد ، وجَدّ في قتاله ، وقاتل مع جَكَرْمِش أهل المَوْصِل لمحبّتهم فيه ، ودام القتال مدّةً ، فلمّا بلغت جَكَرْمِش وفاة بَركيَارُوق ، أرسل إلى محمد يبذل الطاعة ، فدخل إليه وزير السلطان محمد سعْد المُلْك ، وخرج معه جَكَرْمِش ، فقام لَهُ محمد واعتنقه ، وقال : ارجع إلى رعيّتك ، فإن قلوبهم إليك ، فقبّل الأرض وعاد ، فقدّم للسّلطان وللوزير تُحَفًا سَنِيّة ، ومدّ سِماطًا عظيمًا بظاهر الموصل . ثمّ أسرع محمد إلى بغداد وفي خدمته صاحب المَوْصِل ، وكان ببغداد ملكشاه بْن بَركيَارُوق الصّبيّ الّذي سَلْطَنه الخليفة ، وأتابك الصّبيّ إياز ، فبرزوا من بغداد ، وتحالفوا عَلَى حرب محمد ، ومَنْعه من السلطنة ، وجاء محمد فنزل بالجانب الغربي ، وخطب له به ، ثمّ ضعُف إياز والأمراء ، فراسلوا محمدًا في الصُّلْح - وليُعطي إيازَ أمانًا عَلَى ما سَلَفَ منه ، وتمّ الدَّسْتُ لمحمّد ، واجتمعت الكلمة عَلَيْهِ ، واستحلف السلطان إلكيا الهراسي على الأمان ، وأقام السلطان محمد ببغداد ثلاثة أشهر ، ثم توجه إلى أصبهان . وأمّا إياز أتابك ملكشاه ، فإنّه لمّا سلّم السلطنة إلى السلطان محمد عمل دعوةً عظيمة في داره ببغداد ، ودعا إليها محمدًا ، وقدّم لَهُ تُحَفًا ، منها الحبل البلخش الّذي أخذه من ترِكة مؤيّد المُلْك ابن النّظّام ، وحضر مَعَ السّلطان الأمير سيف الدّولة صَدَقَة بْن مَزْيَد ، فاعتمد إياز اعتمادًا رديئًا ، وهو أَنَّهُ ألبس مماليكه العُدَد والسّلاح ليعرضوا عَلَى محمد ، فدخل عليهم رَجُلٌ مَسْخَرَة ، فقالوا : لا بد من أن نلبسك درعاً ونعرضك ، فألبسوه دِرْعًا وعبثوا بِهِ يصفعونه ، حتّى كَلّ وهرب ، والْتجأ إلى غلمان السّلطان ، فرآه السّلطان مذعورًا وعليه لباسٌ عظيم ، فارتاب ، ثمّ جسّه غلام ، فإذا درْع تحت الثياب الفاخرة ، فاستشعر ، وقال محمد : إذا كَانَ أصحاب العمائم قد لبسوا السلاح ، فكيف الأجناد ، وتخيل لكونه في داره ، فنهض وخرج ، فلمّا كَانَ بعد أربعة أيّام استدعى إياز وجَكَرْمِش صاحب المَوْصِل وجماعة وقال : بَلَغَنَا أنّ المُلْك قِلِج أرسلان بن سليمان بن قتلمش قصد ديار بَكْر ليأخذها ، فانظروا من يُنْتَدب لَهُ ، فقالوا : ما لَهُ إلّا الأمير إياز ، فطلب إيازًا إلى بين يديه لذلك ، وأعدّ جماعةً ليفتكوا بِهِ إذا دخل ، فضربه واحدٌ أبان رأسه ، فغطى الأمير صدقة وجهه بكُمّه ،